صادق مجلس الحكومة في أواخر دجنبر 2025 على مرسوم رقم 2.22.983 القاضي برفع الحد الأدنى القانوني للأجور في النشاطات الفلاحية وغير الفلاحية بنسبة 5%. وبموجب هذا المرسوم، سيدخل القرار حيز التنفيذ بالنسبة للقطاع غير الفلاحي ابتداءً من فاتح يناير 2026، وللقطاع الفلاحي ابتداءً من فاتح أبريل 2026.

وسيبلغ الحد الأدنى القانوني للأجر في النشاطات غير الفلاحية (SMIG)، ابتداءً من فاتح يناير 2026، 17,92 درهماً للساعة، أي ما يعادل حوالي 340 يورو شهرياً فقط.

غير أن هذه الأرقام، وإن بدت “إيجابية” في لغة البلاغات الرسمية، تصبح مهينة حين توضع في سياقها الريفي الحقيقي. فالريف، الذي عانى تاريخياً من التهميش والتجويع المتعمد، يُدفع اليوم مرة أخرى ثمن سياسات لا ترى فيه سوى خزّاناً لليد العاملة الرخيصة، لا شعباً له حق العيش الكريم فوق أرضه.

فبعد انطلاق الدينامية الصناعية، يتضح أن أغلبية العمال المفترضين ينحدرون من القرى الريفية المجاورة، ما يعني اقتلاعهم عملياً من محيطهم الطبيعي ودفعهم نحو المدينة، وتحميلهم مصاريف لم تُخلق لهم أي آلية لتحمّلها.

تعرف الناظور ونواحيها أثمنة مرتفعة للكراء، تتراوح ما بين ما يعادل 260 و280 يورو للشقق المتواضعة، وترتفع كلما اقترب الموقع من مركز المدينة. أي أن العامل الريفي سيصرف تقريباً 80 إلى 85 في المائة من أجره فقط على السكن.

فإذا كان دخله الشهري لا يتجاوز 340 يورو، ويؤدي حوالي 270 يورو للكراء، فماذا يتبقى له؟
70 يورو تقريباً للماء والكهرباء والنقل والأكل واللباس!
وهو مبلغ لا يكفي حتى لأسبوع عيش كريم، فما بالك بشهر كامل.

أمام هذا الوضع القاسي، يُجبر الريفي على حلول لا إنسانية: تقاسم شقة واحدة بين أربعة أو خمسة أشخاص، العيش في ظروف الاكتظاظ والضغط النفسي، فقط من أجل البقاء قريباً من عمل لا يضمن له الحد الأدنى من الكرامة.

وهنا لا يمكن الحديث عن “سوء تدبير” أو “غياب رؤية”، بل عن سياسة مقصودة.
فالدولة المغربية تعرف جيداً أن هذا الأجر لا يسمح بالاستقرار، وتعرف أن غلاء السكن خانق، ومع ذلك لا تتدخل، لا بتسقيف الأثمنة، ولا بإطلاق سكن اجتماعي خاص بالعمال، ولا بدعم مباشر.

والنتيجة واضحة:
إقصاء الريفيين عملياً من هذه المصانع، أو دفعهم للعيش في ظروف بئيسة تمهد للهجرة.

إنها نفس المعادلة التاريخية التي مورست ضد الريف لعقود:
تجفيف شروط العيش، ثم تقديم الهجرة كقدر محتوم.

فبدل تنمية ريفية حقيقية تُبقي الإنسان في أرضه، يتم خلق نموذج صناعي يستعمل الريفي مؤقتاً ثم يلفظه اجتماعياً. تشغيل بلا استقرار، عمل بلا كرامة، وأجور مصممة كي لا تسمح بتكوين أسرة أو بناء مستقبل.

ولا تتوقف المأساة عند السكن فقط. فالمجتمع الريفي قائم على التضامن العائلي والاقتصاد المشترك، حيث تخفف الأسرة الممتدة من قسوة الفقر، كما تشكل تحويلات الجالية بالخارج سنداً أساسياً للحياة اليومية.
لكن حين يُقتلع الشاب الريفي إلى المدينة، ينفصل عن هذه الشبكة التضامنية، ويُترك وحيداً في مواجهة منظومة وهكذا تتحقق الغاية غير المعلنة:
تفكيك البنية الاجتماعية الريفية، ودفع أبنائها إما للهشاشة أو للهجرة.حضرية قاسية لا ترحم الفقراء

إن ما يجري اليوم ليس سياسة تشغيل، بل استمرار لسياسة تهجير الريف من شعبه الأصلي بأسلوب اقتصادي ناعم:
أجور ضعيفة، كلفة عيش مرتفعة، غياب حماية اجتماعية، ثم تحميل الريفي مسؤولية فشله في “الاندماج”.

وبين 340 يورو كدخل، و270 يورو ككراء، تصبح الهجرة الحل الوحيد المنطقي أمام آلاف الشباب الريفي.
هجرة داخلية نحو أحياء الصفيح، أو خارجية عبر البحر، أو قطيعة نهائية مع الأرض.

إنها معادلة مقصودة النتائج، لا بريئة في تصميمها.

فبدل أن تكون المصانع وسيلة لإحياء الريف وتمكين أبنائه اقتصادياً، تتحول إلى أداة جديدة لاستكمال تفريغه ديموغرافياً.
تشغيل شكلي يخدم الأرقام الرسمية، وواقع اجتماعي يخدم مشروع إفراغ الريف من إنسانه.

وهكذا يُطرح السؤال الريفي الجوهري:
هل هذه تنمية… أم فصل جديد من فصول التهجير الصامت؟