في سنة 1923، قامت جمهورية الريف بخطوة نادرة في ذلك الزمن؛ إذ لم تكتفِ بالمقاومة المسلحة، بل خاطبت العالم عبر القانون الدولي. فمن لندن، تم إرسال وثيقة رسمية بعنوان: “إعلان الدولة وبلاغ إلى جميع الأمم من حكومة جمهورية الريف” إلى حكومات وهيئات دولية، من بينها عصبة الأمم. وقد صدرت هذه الوثيقة باسم حكومة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهي محفوظة اليوم في أرشيف الأمم المتحدة بجنيف، ولم تكن مجرد خطوة رمزية، بل محاولة مدروسة لإدخال الريف في النظام الدولي الناشئ

أرشيف عصبة الأمم لدى الأمم المتحدة بجنيف
وجاءت هذه المبادرة في سياق استراتيجي واضح؛ فبعد هزيمة إسبانيا في معركة أنوال سنة 1921، تمكن الريف من فرض سيطرة ترابية وتنظيم إداري، غير أن عبد الكريم كان يدرك أن النجاح العسكري وحده لا يكفي دون اعتراف دولي. في المقابل، كانت فرنسا وإسبانيا تصفان الحرب على أنها تمرد داخلي داخل المغرب، وهو توصيف لو تم قبوله لأغلق الباب أمام أي اعتراف دولي بالريف، لذلك جاء إعلان 1923 ليُفكك هذا التصور ويعيد تقديم القضية في إطار مختلف
ولم تكن الوثيقة عشوائية، بل صيغت بعناية لتحقيق ثلاث وظائف أساسية؛ إذ قدمت الريف ليس كقبائل متفرقة، بل كشعب له تنظيم اجتماعي وتاريخ وقدرة على الحكم الذاتي، وهو أمر حاسم قانونياً لأن الاعتراف الدولي يتطلب وجود “شخص سياسي”. كما أكدت أن الدولة قائمة بالفعل، تمتلك حكومة وتدير القضاء وتفرض النظام وتجمع الضرائب وتتحمل مسؤولية السكان، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة موجودة وأن الاعتراف ليس إلا إقراراً بواقع قائم. وفي الوقت نفسه، رفضت الوثيقة وصف الحرب بأنها تمرد داخلي، وأكدت أنها مقاومة ضد تدخل أجنبي (استعمار)، وهو تمييز جوهري لأن الحرب إذا اعتُبرت داخلية بقيت قضية محلية، أما إذا عُدّت استعماراً فإنها تصبح قضية دولية مرتبطة بحق تقرير المصير
ورغم هذا الجهد الدبلوماسي، لم تناقش عصبة الأمم قضية الريف رسمياً، ويُعزى ذلك إلى قوة فرنسا وإسبانيا داخل المنظمة ورفضهما طرح الملف، إضافة إلى طبيعة النظام الدولي آنذاك الذي كان قائماً على توافق الدول الكبرى، حيث لم يكن للكيانات غير المعترف بها أي صوت. وهكذا ظهر أن القانون الدولي كان موجوداً نظرياً، لكن الوصول إليه كان محكوماً بالسياسة لا بالحياد
ويكشف إعلان 1923 أن جمهورية الريف لم تكن مجرد حركة مقاومة، بل مشروع دولة حديثة سعت إلى الاندماج في النظام الدولي، ولم تعتمد فقط على العمل العسكري، بل على الدبلوماسية أيضاً، وهو ما يناقض الصورة التي تختزل الريف في “ثورة قبلية عفوية”، ويؤكد وجود تصور سياسي منظم ومدروس. كما أن الوثيقة المحفوظة في جنيف تبرز بوضوح أن جمهورية الريف لم تر نفسها تمرداً مؤقتاً، بل دولة ذات سيادة، وبغض النظر عن قبول هذا الطرح اليوم من عدمه، فإن تقديمه آنذاك بشكل رسمي ودبلوماسي يظل حقيقة تاريخية ثابتة
وعندما تحدث الريف إلى العالم، فإنه تحدث بلغة الدول والقانون الدولي، غير أن العالم لم يُجب، ليس لأن الريف لم يُحسن الإقناع، بل لأن موازين القوة كانت ضده



Leave a Reply