تتزايد في الآونة الأخيرة الدعوات لمحاسبة إسبانيا على استخدام الأسلحة الكيماوية في الريف خلال عشرينيات القرن الماضي. وهي دعوات مشروعة، بل ضرورية، في سياق السعي لتحقيق العدالة التاريخية. غير أن حصر المسؤولية في طرف واحد يطرح إشكالًا جوهريًا: هل يمكن تحقيق العدالة على أساس سردية ناقصة؟
لقد ارتكبت إسبانيا واحدة من أخطر جرائم الحرب في تاريخ شمال إفريقيا الحديث، حين قامت بقصف مناطق الريف بشكل ممنهج بغاز الخردل ومواد سامة أخرى. استُهدفت القرى، والأراضي الزراعية، والمدنيون، في سياسة عسكرية لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل نهجًا مدروسًا بهدف القضاء على جمهورية الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
وتؤكد أبحاث عدد من المؤرخين، من بينهم روديبيرت كونز، أن هذه الحرب الكيماوية لم تكن عشوائية، بل كانت منظمة ومستمرة، وتحمل أهدافًا سياسية وعسكرية واضحة. غير أن الحديث عن هذه الجرائم، رغم أهميته، يظل ناقصًا إذا لم يشمل بقية الأطراف التي ساهمت في تلك الحرب.
ففرنسا، على سبيل المثال، لم تكن مجرد مراقب للأحداث، بل كانت طرفًا فاعلًا في الصراع. تحت قيادة المقيم العام هوبرت ليوتي، تحولت حرب الريف إلى حملة دولية ضد الجمهورية الناشئة. ومع امتداد القتال إلى المناطق الخاضعة للنفوذ الفرنسي، تدخلت فرنسا بقوة، وحشدت قواتها، وتعاونت بشكل مباشر مع إسبانيا لسحق المقاومة الريفية.
كما تشير الأدلة التاريخية إلى أن ليوتي كان من المؤيدين لاستخدام الأسلحة الكيماوية في الحروب الاستعمارية، وهو ما يضع هذه الجرائم ضمن سياق أوسع من السياسات الاستعمارية التي لم تكن إسبانيا وحدها مسؤولة عنها. ومع ذلك، نادرًا ما يتم إدراج فرنسا في النقاشات المعاصرة حول العدالة في الريف.
يثير هذا الإقصاء تساؤلات مشروعة: لماذا يتم التركيز على طرف واحد، بينما يتم تجاهل أطراف أخرى لا تقل مسؤولية؟ ولماذا يغيب الحديث عن دور الدولة المغربية، سواء في الماضي أو في الحاضر؟
خلال فترة الحرب، تم تنفيذ العمليات العسكرية باسم السلطان مولاي يوسف بن الحسن، حيث استُخدم اسمه لإضفاء الشرعية على حملة عسكرية استهدفت كيانًا سياسيًا كان يسعى إلى تقرير مصيره. ولم يكن النظام القائم آنذاك في صف الريف، بل كان جزءًا من معادلة أوسع ساهمت في إضعافه.
ولا تتوقف هذه الانتقائية عند حدود التاريخ، بل تمتد إلى الحاضر. إذ يقود بعض الفاعلين، مثل رشيد راخا من خلال المؤتمر العالمي للأمازيغية، حملات لمحاسبة إسبانيا، دون التطرق بشكل كافٍ إلى أدوار فرنسا والدولة المغربية، رغم وضوح هذه الأدوار في السجل التاريخي. إن هذا التركيز الانتقائي لا يخدم قضية العدالة، بل يعيد إنتاج سردية جزئية.

كما أن معاناة الريف لم تنتهِ مع نهاية الحقبة الاستعمارية. فقد شهدت المنطقة، بعد الاستقلال، موجات جديدة من القمع، أبرزها أحداث 1958–1959 التي تم التعامل معها بعنف شديد في عهد الحسن الثاني. بالنسبة لسكان الريف، لم يكن هناك تحول جذري في طبيعة المعاناة، بل تغيرت فقط الجهات الفاعلة.
من هنا، يصبح من الضروري التأكيد على أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على أنصاف الحقائق. الريف ليس موضوعًا للتوظيف السياسي، ولا تابعًا لأي دولة. إنه كيان تاريخي واجتماعي له صوته الخاص، وتجربته الخاصة، ومعاناته التي تستحق الاعتراف الكامل.
إن أي مسعى جاد لتحقيق العدالة يقتضي تسمية جميع المسؤولين دون استثناء: إسبانيا، فرنسا، ودور الدولة المغربية. فاختزال المسؤولية في طرف واحد لا يُعد إنصافًا، بل شكلًا من أشكال الصمت الانتقائي. في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن تحقيق عدالة حقيقية للريف دون مقاربة شاملة تعترف بجميع الأبعاد التاريخية والسياسية. وكل ما دون ذلك، ليس سوى إعادة إنتاج لخطاب ناقص يفتقر إلى المصداقية.











Leave a Reply